طوال نظر قضية الغاز أمام مجلس الدولة كشف موقف الحكومة عن ظواهر خطيرة تؤدي في أبسط نتائجها إلي سقوط الحكومة واختفائها ورفع اسمها من سجل مصر المعاصرة، حتي تنسي الأجيال المقبلة أن مصر عرفت يوماً هذا النمط من الحكومات لولا أن الحكومة مصطلح في مصر يعني الحكم والنظام. ولا أدري كيف يبرر المشاركون في ملحمة الغاز فعلتهم وهم يضرون بلادهم وهم في كامل اليقظة، بل بلغت بهم الجسارة حد تبرير تصرفاتهم بتقديم واستدعاء مقولات لستر عورتهم والتلاعب بمصالح الشعب. وقد بدا لي عن متابعة هذه القضية عدداً من الأمور الخطيرة. الأمر الأول، هو أن الحكومة المصرية قد تخلت تماماً عن خدمة الشعب المصري، رغم أن أن الشعب هو الذي يدفع لها من المال والمنصب ما يظهرها بمظهر الحكومة.
الأمر الثاني، أن الالتفاف حول مصالح الشعب بل ومحاولة إيهامه بالعجز في عملية تدليس جندت الحكومة لها عدداً كبيراً من وزرائها قد عمق أزمة الثقة القائمة بين الشعب والحكومة بحيث لم يعد الشعب يثق مطلقاً بأن هذه الحكومة حكومة مصرية، خاصة بعد أن تبين حقاً حرص الحكومة علي دعم المواطن الإسرائيلي في الوقت الذي تتخلي فيه عن تقديم الدعم الآتي أصلاً من الشعب إلي طبقاته المعدمة، ولذلك أصبح الشعب المصري في حيرة كيف تصر الحكومة علي أنها لا تزال تتظاهر بالطابع المصري وتريد الاستمرار وتستخف بعقلية المواطنين.
الأمر الثالث هو أخطر الأمور، وهو أن مصر الرسمية تظهر ارتباكاً كبيراً في كل ما يتعلق بإسرائيل، وتبذل وداً غريباً كشف عن جزء منه سفير إسرائيل السابق بالقاهرة في لقائه مع جريدة معاريف يوم الأول من مارس 2010. لقد تبين للأعمي أن مصر تخشي إسرائيل وتسيء تقدير العلاقة أو أنها مرغمة علي ذلك من جانب واشنطن، وفي كل الأحوال فإن مصر الرسمية أهدرت مصالح الشعب المصري إهداراً لا يمكن تبريره، ولا يصمد في هذا التبرير البائس التمسك بأن هذا السلوك المشين من أعمال السيادة حتي تكف يد القضاء عن النظر في هذا السجل المشبوه.
وقد أكد الحكم الصادر من المحكمة الإدارية العليا أن الحكومة تصدر الغاز لإسرائيل بأسعار لا يمكن تخيلها في الوقت الذي يحتاج فيه المواطن المصري إلي هذا الغاز ويدفع للحكومة رغم الدعم أسعاراً باهظة، وكيف تفسر الحكومة للمواطن المصري الذي يأسي بانكشاف حكومته أمامه وهي بعد سادرة في استغفاله .
الأمر الرابع، سبق أن نوهت في مقالات سابقة إلي خطورة تفسير الحكومة لمعاهدة السلام تفسيراً واسعاً لصالح إسرائيل وضد المصلحة المصرية لسبب لا نفهمه، ولكنه ينسجم مع الصورة المتكاملة للحكومة المعادية لمصالح هذا الشعب والتي لم يستطع وزراؤها تفسير ذلك، وربما كانت ساحة القضاء هي التي كشفت كل هذه العورات دون تدخل من الذراع الأمنية التي تسكت كل صوت ينبه إلي هذه العورات. فكيف تستند الحكومة إلي معاهدة السلام التي لم يعرف الغاز عند إبرامها، وكان الأشرف للحكومة أن تدعي أن هناك أحكاماً سرية رهنت سيناء للإرادة الإسرائيلية في المستقبل، وأن لإسرائيل ما في باطن الأرض وعلي ظهرها خراجاً تدفعه الحكومة لسيد إسرائيل، وإلا كيف نفسر أن تدفع الحكومة من خلال الغاز وحده معونة لإسرائيل تفوق المعونة الأمريكية لمصر في بعض التقديرات، وكيف كذبت الحكومة في أرقامها المضروبة وقالت أن لديها احتياطياً يكفي مائة عام بينما عندما صدر هذا التصريح لم يكن يكفي أسبوعاً.
إن أزمة مصر الحقيقية وأزمة نظامها هو عدم قدرتها علي خدمة مصالح الشعب والوطن واستلاب إرادتها لصالح أمريكا وإسرائيل، ولذلك فإن اضطراب موقف الحكومة وجسارتها في خداع الشعب المصري علي النحو الذي أظهره الحكم بوضوح يشير إلي العلاج وهو أن شعب مصر بحاجة إلي من يسترد إرادة الوطن المسلوبة لأي سبب، ٍوأن يعيد تحديد مصالح الشعب وكرامة الوطن وألا يترك مقادير البلاد أمام مشروع استعماري يستهدف العالم العربي عبر مصر. ولذلك اختلط الشأن الداخلي بالشأن الدولي لمصر، وما لم تسترد إرادة مصر في مواجهة أمريكا وإسرائيل فإن أي حاكم لمصر سيكون أشبه برئيس السلطة الوطنية الفلسطينية ليس له إلا الإشراف علي البلديات والنظافة، ولذلك لابد أن ينهض نظام يكسر هذه القاعدة الملعونة التي تقضي برهن الإرادة المصرية لأمريكا وإسرائيل مقابل أن تطلق يده في الداخل بكل أنواع الفساد. لقد أسقط هذا الحكم القناع، ولا أظن أن ما رأينا خلال هذه القضية يغير عقيدتنا بأن التغيير لا يكفي مطلقاً أن يكون في أشخاص وسياسات الداخل، وإنما تستحق مصر أن تنعم بحريتها واستقلال قرارها من براثن المشروع الصهيوني.
كناشة الفوائدالرئيسية : من نحن : مقالات وأخبار : مواقع النواب : مدرسة الدعاة : رمضانيات : أخبار سكندرية : رسالة المرشد : سجل الزوار : اتصل بنا
المتواجدون الآن : 55