الجمعة , مارس 24 2017
الرئيسية / رأي / طنطا الدوحة بدون ترنزيت – محمد عبدالعزيز

طنطا الدوحة بدون ترنزيت – محمد عبدالعزيز

لعل القراءة والسفر ساهموا في تنمية حاسة الوعي الذاتي، أقصد بالوعي الذاتي سرعة إدراك الفروق في نمط الشخصية وتعديله إن لزم الأمر، ولعل سنتين أكملتهما منذ عدة شهور في غرفة في قلب عاصمة مثل الدوحة، أتاحوا لي درجة من الوعي الذاتي وتجربة في مقتبل حياتي أحمد الله عليها.

ولعل القارئ يعذرني أن اقتحم عليه في هذا المقال بتجربة شخصية، حجتي فيها أنها تعرض حياة جيلي في صورة أحد أفراده، حيث تخرجت من كلية الآداب بتفوق، وبلغتني الجامعة أنها لا تحتاج إلى متفوقين أو باحثين، وأن مكاننا لو كنا محظوظين مكاتب شؤون الطلاب، ولعلك عزيزي القارئ ينقبض قلبك بأن تسمع كلمة شؤون الطلاب كما انقبض قلبي وأنا أرى صورتي كباحث أو أستاذ جامعي يطور أوراقه البحثية ويعلم الطلاب، تتهاوى في ممر كلية الآداب التي لا أترحم على أيامها.

سقطت هذه الأحلام مرة واحدة، ولعل من قال إن في الوقت الذي يُغلق فيه باب يفتح باب آخر لم يكن مخطئًا؛ فتجربتي شاهد على هذا الأمر، أغلقت الكلية أبوابها فكانت الدوحة، وجهة عمل جديدة لشاب حديث التخرج بدون خبرة عملية وببعض عناوين الكتب ومحبة للمعرفة، يتزلف بهذا الحب أن يكون في زمرة عمل بحثي أو ثقافي.

أفكر في سرعة مرور العامين وأقول كم من الخبرة الحياتية كانت هدية لمشقة الغربة، عوالم تفتحت، لعل تجربة العمل تفتح للإنسان احترامًا للذات ولمن يتعامل معهم، وبما أن قيمة المرء ما يحسن، وهذه القيمة لا تأتي إلا بالعمل، فقد كان العمل إضافة في تجربتي على بساطتها.

ثم ما كان من تنوع الدوحة وما يمكن أن أسميه إمكانيات المدينة المعرفية، وصلت الدوحة في نهاية 2012، تقدم الدوحة كمية لا بأس بها من مؤاتمرات سنوية في كافة المجالات تقريبًا، تفتح للمهتمين فرصة اللقاء المعرفي بأئمة التخصصات الإنسانية والطبيعية، كم كانت فرحتي بسهرة على جانب مؤتمر مع مترجم قدير قدم للقراء العرب كمية يحسد عليها من الأدب الأسباني، هذه اللقاءات المعرفية ووجود المراكز البحثية في المدينة الفتية ساعد على الثقة بالنفس والانفتاح على الاختلاف بكافة أنواعه.

تقدم المدينة نوعا من الهدنة من صراع المشكلات الداخلية، قدرا أكبر من لقاء النفس ومراجعتها لا يخلو من ملل وسأم في بعض الأحيان، لكن طبع المدينة (رايق)، هل يمكن أن يكون السبب هو شدة الحر، أم الراحة المادية لأهلها عدا العمال جعلتهم يعيشون حياة لا يسود فيها الضجيج ولا يقلق بعضهم من بعض بسبب لقمة العيش، ولا يمكن أن أغفل عامل الأمان الذي غلف حياة شخوص هذه المدينة، وجعلهم في راحة قد تؤهل بعضهم إن وعى بدوره وبحياته لتنمية مهاراته سواء كانت لغة جديدة يتعلمها أو رياضة يتقنها أو دراسة يكملها.

مع هذا اللقاء المعرفي للمتخصصين، كان هناك لقاء لمجموعة ثقافات مختلفة تعيش حياة متوازية في ذات المدينة، ففي الجلسات التي يغلب عليها الموريتانيون كان الأدب والشعر وحيل الفقهاء وألغاز الشعراء والأبيات وجماليات التعبير، ولا ننسى الشاي الموريتاني المسكر الذي غلف هذه الجلسات بهدوء البادية وراحة بال أهل الصحراء وتعاملهم السلس مع الوقت، وعادة الونس بالحديث والمشاركة التي يشتركون فيها مع أهلنا في السودان.

على هامش المدينة في مقهى صغير، وعن طريق عدة أصدقاء مثقفين ترجع أصولهم من إريتريا، كان التعرف على مأساة هذا البلد الصغير، ولا أنسى حجي جابر وروايته سمراويت، وما فتحه بتجربته وحكيه المحبب من تنوع في التعرف على تجربة الإريتريين في السعودية.

ولا يمكن أن يغفل المغترب تنوع الطعام الذي فرضه تنوع الجنسيات، فكان التعرف على ثقافات العديد من الأقطار العربية عن طريق طعامها ومطبخها من المطبخ الخليجي إلى المطبخ اليمني، مرورًا بعلاقات التأثير والتأثر بين المطبخ الخليجي والهندي، ولا ننسى الطعام الآسيوي الذي لم أستطع التصالح معه، كل هذه المطابخ وما تخللها من حكايات على الأطعمة، قد تتفتح لك شخصية الأردني على جلسة منسف أو المغربي على شوربة الحريرة والكسكسي، أو تجد السعودي في راحة بال وأنتم تتعرفون ثقافيًا ومعرفيًا وبينكم المندي، تجربة جديدة لا أمل من تكرارها سواء كان الزيت والزعتر إلى القهوة العربية المرة، والتي تحلو بتمرة تذوب في فمك كالفرج بعد الشدة، أو يتلون المذاق كتلون الحياة بالضبط.

في بلدة لا يوجد بها وسيلة مواصلات يزداد الاعتماد على السيارة الشخصية، ويزداد الوزن ويهتم الناس بالرياضة، حفاظًا على أجسامهم من الترهل، لم أستسغ أندية الرياضة (الجيم)، لكني أحببت السباحة وتعلمتها على هامش حياة هذه المدينة مثلي مثل كثيرين تعرفت عليهم، تعلموا التنس أو الأسكواش أو غيرها من الرياضات على هامش نمط الحياة الهادئ والحاجة إلى رياضة وحركة للجسم من خمول السيارات وألم الظهر والرقبة بسبب العمل على المكاتب.

يصل الإنسان مدينة ما في الوقت المناسب لتوقيت نضجه الداخلي، يتزامن الوقت وتفتح له المدينة فرصة ما يكون لديه بعض الاستعداد الداخلي لتلقي إمكانيات هذه المدينة، كل هذا يجري وفق قدر الله وعنايته، فتنضج بعض ملامح الشخصية لشاب بين أروقة العمل والدراسة والاحتكاك والتنوع في الألوان والأذواق والأفهام.

ماذا يبقى في وجدان الفتى؟

يبقى في وجدانه خبرة وجدانية اكتسبها بحياة كانت مزيجًا من المشاركة والتعارف بين الناس وبين التحفظ والوحدة، يبقى له شعوره بقدرة الإنسان على تغيير نمط حياته إلى الأفضل أو الأسوء حسب الإرادة، يبقى له أن اختياراتنا هي قدرنا، يظلل ذلك إرادة الله وسعي الإنسان في تجارب جديدة، وأنماط عيش مختلفة، يبقى له تنمية حاسة السياحة في الأرض حتى إنه فهم كلمة برنارد شو: "دعه فإنه يحسب عادات قبيلته قوانين العالم".

يبقى له تنوع في الألوان، تجعل ما بين الأبيض والأسود مساحة للتفاهم ومنطقة للطمأنينة، ليست حبًا في الرمادي؛ بل تفهمًا لوجود ألوان أخرى في حياتنا وحيوات الآخرين.
 
عزيزي القارئ، سافر لتكتشف عالمًا ما داخلك، قبل أن يكون خارجك.

عن amladmin

شاهد أيضاً

وائل قنديل يكتب: سماسرة التفكير خارج الصندوق

 لا أتصور أن التاريخ سوف يسامح ذلك النصّاب الذي احتال على البشرية باختراع خطير، اسمه" …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *